وهبة الزحيلي

132

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ولكن من لطف اللّه بعباده الذين أخطئوا هذه المرة أن عفا عنهم ، ولم يستأصلهم بالمعصية والمخالفة ، واللّه ذو فضل دائم على المؤمنين بالعفو والمغفرة ، قال ابن عباس : ما نصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما نصر يوم أحد ، فأنكر الصحابة ذلك ، فقال لهم : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب اللّه عز وجل ، إن اللّه عز وجل يقول في أحد : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ والحسّ : القتل . ولم يكن فرار المسلمين في أحد مقبولا ؛ لأن القائد وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يزال صامدا يقاتل في قلب المعركة ، ويدعو الفارّين إلى العودة والكرّ ، فلما لم يرجعوا جازاهم اللّه بالغم والحزن وهو القتل والجراح وعدم الظفر بالغنيمة ، بسبب الغم والضيق الذي ملأ قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لمخالفتهم إياه . وسمي الغم ثوابا كما سمي جزاء الذنب ذنبا . ولكن فضل اللّه ورحمته بالمؤمنين بعد هذا الغم ألقى عليهم النعاس أو النوم ليشعرهم بالأمن وليجددوا عزائمهم وترتاح نفوسهم من بعد هذه الهزيمة . أما المنافقون فظلوا في قلقهم واضطرابهم لا ينامون ولا يشعرون بالطمأنينة والأمن ، ويقولون : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ استفهام معناه الجحد والإنكار ، أي ما لنا شيء من أمر الخروج ، وإنما خرجنا كرها ، بدليل قولهم : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قال الزبير : أرسل علينا النوم ذلك اليوم ، وإني لأسمع قول معتّب بن قشير ، والنعاس يغشاني يقول : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا . وقيل : المعنى : يقول ليس لنا من الظّفر الذي وعدنا به محمد شيء . فرد اللّه تعالى عليهم : إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ أي النصر بيد اللّه ، ينصر من يشاء ، ويخذل من يشاء . والأجل والعمر بيد اللّه ، وما من ميت إلا ويموت بأجله ، سواء في الحرب وساحاتها ، أم في المنازل والمضاجع وغرفها وحدائقها . وهكذا كان أهل غزوة أحد بعد انتهائها فريقين :